بكل عيوبنا ومتاعبنا ونقائصنا وعدم رضانا على أحوالنا ووأوضاعنا، وانتقادنا للجمود السياسي والتخلف الفكري والتراجع الأخلاقي والاقتصادي والاجتماعي الذي نتخبط فيه، ورغم التردد في التغيير وفي الذهاب نحو جمهورية ثانية عصرية وحديثة لا تقصي أيا كان بسبب آرائه ومواقفه أو مكان ولادته، فإن المحن التي ألمت بالجزائر وشعبها على مر السنين زادتنا قوة وحنكة ووعيا وصبرا على الألم والضرر، وأكدت بما لا يدع مجالا للشك بأن للجزائر رجالا ونظاما ودولة وشعبا، مثلما لها عيوب ومشاكل سياسية وأخلاقية واقتصادية واجتماعية تتراكم وتتزايد وقد تؤدي إلى تعقيد الأمور عند أول هزة جديدة..

إن ما حدث في مصر ويحدث في سوريا وليبيا وتونس من حراك وتداعيات لا يعني بأن الجزائر بقيت خارج التاريخ أو ستبقى على حالها التعيس، ولا يعني أيضا بأن أبناءها سيسلكون نفس الطريق من أجل تغيير أوضاعهم وتحسين أحوالهم، بل يعني بأن الجزائر مستقرة سياسيا وأمنيا برجالها وشعبها ومؤسساتها رغم غياب الرئيس وتغييب الكفاءات وغياب الرؤية المستقبلية الواضحة، ويدل على وجود دولة واقفة ونظام متماسك ورجال مخلصين في "بعض المواقع" حافظوا على الجزائر بعيدا عن كل مغامرة تعود بنا إلى سنوات الهلاك والدمار والقتل والتخريب..

يمكن أن نقول كل شيء عن النظام الجزائري والدولة الجزائرية والشعب في الجزائر، ونؤيد أو نعارض، ونختلف وننتقد ونقسو على بعضنا البعض إذا اقتضت الضرورة ونحتج على أوضاعنا التي تسوء في عديد المجالات.. ولكن لا يمكن القول بأن الجزائر تسير بقدرة قادر دون استراتيجية أو منظومة حتى ولو كانت سيئة ومتخلفة تكرر الأخطاء وتنتج الفشل وتقصي الأجيال الصاعدة وتحقد وتنتقم ولا تدفع بالمجتمع إلى مستوى آخر من التفكير والتسيير، لأن هذه المنظومة هي التي أبقت البلد واقفا رغم الصعوبات، ورغم غياب رئيس استحوذ على كل الصلاحيات وانتقص من قيمة الكثير من المؤسسات والرجال مما أدى إلى تعطيل عديد المجالات وخلق جو من الاحتقان والشك والخوف..

الانطباع السائد عن الجزائر في الداخل والخارج اليوم هو أن الرئيس مؤسسة دستورية في منظومة مؤسساتية يحكمها الدستور والقانون! وغياب الرئيس لا يؤثر على سيرورة الدولة وتوازن المجتمع! ولكن الحقيقة غير ذلك تماما، لأن المنظومة مبنية فقط على ثقافة وتقاليد وصلابة رجال في بعض المواقع يسهرون على الحفاظ على التوازنات ويحمون الوطن من عبث المغامرين..

أما الاعتقاد السائد بأن الأجيال الصاعدة لازالت بحاجة الى وصاية ولا تقدر على صيانة الأمانة وتحمل المسؤولية فهو الخلل الكبير في هذه المنظومة التي يجب ان تنتقل إلى مرحلة وسرعة أخرى يعمل فيها الرجال مع الرجال وليس لأجل الرجال، ونؤسس لثقافة سياسية واجتماعية، ودولة حديثة لا تتأثر بمرض الرئيس أو تغيير الوزير والمدير، بل تصنع التاريخ وتتميز بالجرأة فتخطئ وتصيب..
لكاتب
حفيظ دراجي