النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الغفلة :معناها وآثارها على المُسلم والكافر ؟ خطير وهام جدا

  1. #1
    عضو فعال
    تاريخ التسجيل
    May 2013
    المشاركات
    642
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    المواضيع
    582

    Exclamation الغفلة :معناها وآثارها على المُسلم والكافر ؟ خطير وهام جدا

    السلام عليكم ورحمة الله

    >>>> كثيرا ما تسمعون كلمة الغفلة ولكن القليل من يعرف معناها وآثارها وخطروتها على المسلم والكافر!!؟
    فهذه فرصة لتتعلموا معنها ويزيد الوعي بشؤمها وتحاولوا الخروج منها والنجاة من آثارها الخطيرة والله الموفق.


    الغفلة آثار وعلاج (2/1)
    كتبه الشيخ عز الدين رمضاني الجزائري –حفظه الله تعالى-
    منقول من موقعه الرسمي
    http://ramadani-dz.com/?snhtl=conten...-8&element=114

    من الآفات الخطيرة الَّتي تضيِّع على الإنسان وقته، وتأكل عمره، وتورثه النَّدم، وتبوِّئه مقاعد الخسران آفة الغفلة.

    والغفلة مرض عضال يصيب عقل الإنسان وقلبه، بحيث يفقد الشُّعور الواعي بما يحيط به، ويُسلَب الانتباه اليقظ إلى معاني الأشياء وعواقب الأمور، فلا يهتدي إلى المهمَّة الَّتي خُلِق من أجلها وهي عبادة الله، ولا إلى الغاية الشَّريفة الَّتي يصبو إليها كلُّ عاقل وهي إرضاء خالقه ومعبوده، ولا إلى سرِّ التَّكريم الَّذي خصَّه الله به وهو تمييزه عن سائر مخلوقات الله، فيكون عند فقد هذه المذكورات في سُكْرٍ دائم، وإعراض أبديٍّ، قد جذبه الشَّيطان إلى صفِّه وجثم على قلبه وأنساه ذكر ربِّه، فغدت حياته كَمَوْتِه، ووجوده كعدمه.
    فذاك الَّذي إن عاش لم ينتفع به *** وإن مات لم تَبْك عليه أقاربه

    والغفلة: التَّرك والسَّهو عن الشَّيء، والتَّغافل: تعمَّد الغفلة، والمغفَّل الَّذي لا فطنة له.

    والفرق بين الغفلة والنِّسيان كما قال ابن القيِّم: «أنَّ الغفلة ترك باختيار الغافل، والنِّسيان ترك بغير اختيار، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205) ﴾ [الأعراف: 205]، ولم يقل ولا تكن من النَّاسين، فإنَّ النِّسيان لا يدخل تحت التَّكليف فلا ينهى عنه».

    والمعنى أنَّ الإنسان يحاسب على غفلته ولا يحاسب على نسيانه.
    والقرآن الكريم يحذِّر من الغفلة أشدَّ تحذير، حتَّى إنَّه ليجعل أهلها حطب جهنَّم، وأضلَّ سبيلًا من الأنعام، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)﴾ [الأعراف].

    قال ابن القيِّم: «فقد نفى الله عن الكفَّار السَّمع والبصر والعقول؛ إمَّا لعدم انتفاعهم بها، فنُزِّلت منزلة العدم، وإمَّا لأنَّ النَّفي توجَّه إلى أسماع قلوبهم وأبصارهم وإدراكها، ولهذا يظهر لهم ذلك عند انكشاف حقائق الأمور، كقول أصحاب السَّعير: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾ [الملك]».

    والمعنى الثَّاني أوجه؛ فإنَّ الكافر - ومثله الغافل - له من السَّمع والبصر والعقل ما لا ينكره أحدٌ، غير أنَّه مسلوب الإدراك بها، محروم من الانتفاع منها، كما قال الله تعالى في شأن الكفَّار: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (198) ﴾ [الأعراف]، فإنَّهم كانوا ينظرون إلى صورة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالحواس الظَّاهرة ومع ذلك لا يبصرون صورة نبوَّته بالحاسَّة الباطنة الَّتي هي بصر القلب، وذلك هو الطَّبع على القلوب الَّذي ذكر الله في كتابه واصفًا به أهل الغفلة: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108)﴾ [النحل].

    ومن أسباب الغفلة: الاغترار بزينة الدُّنيا من جاه وبنين وأموال، وصرف الذِّهن عن التَّفكير في أمر الآخرة وما يعقبها من أحوال وأهوال، كما قال تعالى: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (97)﴾ [الأنبياء]، وقال الله تعالى فيمن آثر هذه الدُّنيا واطمأنَّ بها وغفل عن الآخرة وصدَّ عنها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8)﴾ [يونس]، وهذه حال أكثر الخلق إلَّا من فتح الله عيون قلبه، وأبصر الحقَّ واتَّبعه، وقليل ما هم، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)﴾ [الروم].

    قال ابن كثير في تفسير الآية: «أي أكثر النَّاس ليس لهم علم إلَّا بالدُّنيا وأكسابها وشؤونها وما فيها، فَهُمْ حذَّاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها، وهم غافلون في أمور الدِّين وما لا ينفعهم في الدَّار الآخرة، كأنَّ أحدهم مغفَّل لا ذهن له ولا فكرة».

    ولقد تكلَّم الحسن البصري رحمه الله عن هذا الضَّرب من النَّاس المطمئنِّ بدنياه، المعرض عن أُخْراه، السَّارح في فلاة الشَّبهات، السَّابح في أنهار الشَّهوات، فقال: «والله ليبلغ من أحدهم بدنياه أنَّه يقلِّب الدِّرهم على ظفره فيخبرك بوزنه؛ وما يحسن أن يصلِّي» [2].

    فيرحم الله الحسن الَّذي تكلَّم عن بعض أهل زمانه الَّذين يصلُّون، والعيب أنَّهم لا يحسنون الصَّلاة، فما عسى أن نقول اليوم عن الملايين المحسوبين في عداد المسلمين وهم تاركون للصَّلاة، منسلخون عن قِيَم الإسلام، غارقون في بحار الشَّهوات، عابدون للدُّنيا والدِّرهم، وهؤلاء يصدق فيهم قول من قال:
    أبنيَّ إنَّ من الرِّجال بهيمة *** في صورة الرَّجل السَّميع المبصر
    فطن بكلِّ مصيبة في ماله *** وإذا أصيب في دينه لم يشعر


    ومن أسباب الغفلة: تبديد الأوقات وإهدار الأعمار فيما لا يعود على الإنسان بالنَّفع والخير، وعدم استغلال ما وُهِب له من النِّعم كالصحَّة والعافية، ولهذا قال - صلوات الله وسلامه عليه - في الحديث الصَّحيح: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ» [3].

    فَكَمْ مِن سليم البدن، صحيح البنية، ممدود الوقت، موفور الصِّحَّة، يضطرب في هذه الحياة بلا عمل يشغله، ولا غاية يخلص لها ويصرف عزيز عمره لإنجاحها، ذلك أنَّ نفس الإنسان كما قال الشَّافعي: «إن لم تشغلها بالحقِّ شغلتك بالباطل»[4] ، وإن لم يبعث بها في حركة سريعة من مشروعات الخير والعمل الصَّالح والعلم النَّافع والعطاء المتواصل لم تلبث أن تطيش بها الأفكار الهدَّامة، وتعبث بها السُّلوكات الشَّاذَّة، فتصيب منها المقاتل، وتلفّ بها في دوَّامة التُّرَّهات والمهازل.

    * والغفلة كما لا يخفى على كلِّ ذي فطنة لها آثارها السَّلبيَّة وأخطارها الوخيمة على نفس الإنسان.

    فمن أخطارها:
    أنَّها الباب الَّذي يدخل منه الشَّيطان إلى قلب العبد فيمرضه بالشَّهوات، وإلى عقله فيفسده بالشُّبهات، فإن كان العبد غافلًا عن صولان عدوِّه تمكَّن منه، وكسر عليه قفل الباب، ودنَّس عرضه، وظفر بمرغوبه.

    قال العلَّامة ابن القيِّم: «ولا يدخل عليه العدوُّ إلَّا من باب الغفلة، فهو يرصده، فإذا غفل وثب عليه وافترسه، وإذا ذكر الله انخنس عدوَّ الله وتصاغر، وانقمع حتَّى يكون كالوصع وكالذُّباب، ولهذا سمِّي «الوسواس الخنَّاس» أي يوسوس في الصُّدور فإذا ذكر الله تعالى خنس، أي كفَّ وانقبض».

    وقال رحمه الله في موضع آخر: «كلُّ ذي لبٍّ يعلم أنَّه لا طريق للشَّيطان عليه إلَّا من ثلاث جهات:
    أحدها: التَّزيُّد والإسراف.
    الثَّانية: الغفلة؛ فإنَّ الذَّاكر في حصن الذِّكر، فمتى غفل فتح باب الحصن فولجه العدوُّ، فيعسر عليه أو يصعب إخراجه.
    الثَّالثة: تكلُّف ما لا يعنيه من جميع الأشياء»
    .

    وقد صدق رحمه الله؛ فإنَّ الشَّيطان كالاستعمار الحاقد إذا استوطن القلب، وفرخ في جوانحه، وسكن أعلاه وأسفله، وملك مفتاح الباب، صعب وقتئذ التَّخلُّص من قهره ونفوذه، والإفلات من قبضته وحُكمه، ولا ينجو العبد منه إلَّا بإخراجه وطرده، وتطهير البقعة من جراثيم همزه ونفثه، وإحكام قفل الباب بالذِّكر الحصين، وفتح العين على الدَّاخل والخارج مِنْ وإلى القلب، وترصُّد الصَّادر والوارد منه وإليه؛ وإلَّا فإنَّه ينتهي إلى طمس القلب وتنكيسه، وطليه بطبقة من الصَّدأ الثَّخين، تحجب عنه أنوار الهداية، وتشدُّه نحو ظلمات الغواية، وفي هذا يقول ابن القيِّم: «وصدأ القلب بأمرين: بالغفلة والذَّنب، وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذِّكر، فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصَّدأ متراكمًا على قلبه، وصدأه بحسب غفلته، وإذا صدأ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه، فيرى الباطلَ في سورة الحقِّ، والحقَّ في صورة الباطل؛ لأنَّه لمَّا تراكم عليه الصَّدأ أظلم فلَمْ تظهر فيه صورة الحقائق كما هي عليه».

    ومن أخطار الغفلة وآثارها السَّيَّئة: نسيان الله تعالى، ونسيان أوامره ونواهيه، وأحكامه وشرائعه، حتَّى إنَّه لتمرُّ على الإنسان الغافل اللَّحظات والسَّاعات، بل الشُّهور والأعوام وهو غافل ساهٍ، لا قلبُه يشعره بتقصيره، ولا عقله ينهاه عن غيِّه وتفريطه، ولا لسانُه يلهج بذكر الله، ولا جوارحه تحدِّثه بشكر نِعَمِ خالقه ومَوْلاه، ومَن كان كذلك؛ فإنَّ الله ينسيه حتَّى في نفسه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ [الحشر:19]، ومِنْ ثَمَّ يُنسى في العذاب يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125)ﭑ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) ﴾ [طه]، أي تُنسى في العذاب كما نَسيت آياتي فلم تذكرها ولم تعمل بها جزاءً وفاقًا، وما ربُّك بظلَّام للعبيد.

    والمقصود أنَّه ما من إنسان إلَّا وله نصيب من هذه الغفلة بحكم طبيعته البشريَّة، تقلُّ أو تكثر، تدوم أو تنقطع، تبعًا لاجتهاده وفطنته، أو عجزه وكسله، وكلٌّ ميسَّر لما خلق له.

    وإنَّما تذمُّ الغفلة من العبد إذا كان مسترسلًا في غفلته لا ينتبه، مقيمًا على انتهاك المحارم لا يرتدع، معرضًا عن سبيل الله والتَّوبة إليه، لا يؤوب ولا يرجع، وأمَّا أن يغفل أحيانًا عن القيام بشيء من الواجبات، أو أن يقصِّر في بعض الطَّاعات، أو أن ينتهك بعض الحرمات نسيانًا لا تعمُّدًا، وخطأً لا قصدًا، مقرًّا بخطيئته لا مستحلًّا لها، فهذا لا مفرَّ منه ولا محيد عنه، كما قال ابن القيِّم: «لا بدَّ من سِنَة الغفلة ورقاد الهوى، ولكن كُنْ خفيف النَّوم فحُرَّاص اللَّيل يصيحون».

    ومن مسالك الرُّشد عند الإنسان أنَّه إذا حلَّ به مرض أو ألمَّ به داء أو تعرَّض لآفة من الآفات - والغفلة مرض وداء وآفة -؛ سارع من غير تثبيط إلى التماس ما يسكِّن به داءه، ويزيل عنه أَلَمَ ما أصابه، بكلِّ نفس ونفيس، وبذل لأجل ذلك الغالي والرَّخيص، فتراه لا يبالي بما أنفق من أموال، ولا ما قطع من مسافات، ولا ما عطَّل من أشغال، كلُّ ذلك طلبًا لعافية جسده من الأسقام والعلل، وحرصًا على سلامة جوارحه من العطب والعطل، وهو في هذا محمود على حرصه، ولا خسران لسعيه، بل قد يجازى عنه إذا كان بنيَّة امتثال الأمر الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم : «تَدَاوَوْا؛ فَإِنَّ اللهَ - عَزَّ وَجَلَّ - لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْر دَاءٍ وَاحِدٍ الهَرَم»[5].

    غير أنَّ الَّذي يُلام عليه أشدَّ اللَّوم - وهو ما يُستغرب فعله من الإنسان العاقل - اهتمامه بهذا الجسد الفاني وإهماله للرُّوح الَّتي بين جنبيه، يجلب دواء الجرح والألم الَّذي يلمُّ ببدنه بأغلى الأثمان، ولو كان في أقصى البلدان، ويعرض أو يقصر في جلب الدَّواء لقلبه المفتون وعقله المخبول، وهو أقرب إليه من شراك نعليه، بل أقرب إليه من حبل الوريد، ولله درُّ من قال:
    يا خادم الجسم كم تشقى لخدمته *** أتطلب الرِّبح ممَّا فيه خسران
    انهض إلى الرُّوح فاستكمل فضائلها *** فأنت بالرُّوح لا بالجسم إنسان

    فهلَّا سارعتَ إلى ما يزيل عنك آثار الغفلة من نفسك، وسعيت إلى جلب الدَّواء الشَّافي لها، وإنَّا لذاكرون لك ـ بإذن الله تعالى ـ وصفة منه تستلمها في عددك القادم من «منابر الهدى»، فاحرص وارتقب، ولا ترخص العمر الغالي في الغفلة، فيثقل المغرم، ولا تجد من أمرك يسرًا.

    فاللَّهمَّ لا تدعنا في غمرة، ولا تأخذنا على غرَّة، ولا تجعلنا من الغافلين.

    وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وسلَّم.
    ----------------------------------
    ([1]) نُشر في مجلَّة «منابر الهدى»: العدد (3)/محرَّم ـ صفر 1422هـ.
    ([2]) «الزُّهد» لأبي حاتم (ص 63).
    ([3]) أخرجه البخاري (6412).
    ([4]) «مدارج السَّالكين» لابن القيِّم (3/134).
    ([5]) رواه أهل السُّنن إلَّا النَّسائي، وهو صحيح.


    يتبع إن شاء الله...
    *****
    الله الموفق
    والحمد ربّ العلمين
    التعديل الأخير تم بواسطة alcazar ; 03-21-2016 الساعة 09:42 PM
    صعد ابو الدرداء –رضي الله عنه- درج مسجد دمشق فقال:
    " يا أهل دمشق ألا تسمعون من أخ لكم ناصح إن من كان قبلكم كانوا يجمعون كثيرا ويبنون شديدا ويأملون بعيدا فأصبح جمعهم بورا وبنيانهم قبورا وأملهم غرورا .
    وكان يقول ثلاث اضحكتنى حتى أبكتنى :
    طالب دنيا والموت يطلبه وضاحك ملء فيه ولا يدرى أرضى ربه ام اسخطه وغافل ليس بمغفول عنه "


    وكان الإمام أحمد -رحمه الله- يقول:
    " يا دار تخربين ويموت سكانك " ،
    وقال: " من لم يردعه ذكر الموت والقبور والآخرة فلو تناطحت الجبال بين يديه لم يرتدع "

  2. #2
    عضو فعال
    تاريخ التسجيل
    May 2013
    المشاركات
    642
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    المواضيع
    582
    تابع...

    الغفلة آثار وعلاج (2/2)
    http://ramadani-dz.com/?snhtl=conten...5&container=-8

    تكلَّمنا في العدد السَّابق عن آفة الغفلة، وعن بعض آثارها السَّلبيَّة، وأخطارها الوخيمة، وبيَّنَّا أنَّ كلَّ مخلوق له نصيب من الغفلة، يقلُّ أو يكثر، تدوم أو تنقطع، تبعًا لاجتهاده وفطنته أو عجزه وكسله، وقد خلصنا ـ وهو ما وعدنا به ـ أنَّ لهذه الغفلة علاجًا يُذهب أعراضَ دائِها مِن قلب الإنسان، ويزيل مفعول سكرها من عقله إذا هو سارع من غير تثبيط أو تردُّد إلى الاستشفاء بهذا العلاج النَّافع الَّذي يتلخَّص في ثلاثة أمور:

    أوَّلًا - ذكر الله تعالى على كلِّ حال:
    فالذِّكر هو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده ما لم يغلقه العبد بغفلته، وبالذِّكر يصرع العبد الشَّيطان كما يصرع الشَّيطان أهل الغفلة والنِّسيان، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205) ﴾ [الأعراف]، ذلك أنَّ خراب القلب من الأمن والغفلة، وعمارته بضدِّ ذلك من الخشية والذِّكر، وما الذِّكر في الحقيقة إلَّا التَّخلُّص من الغفلة والنِّسيان.

    قال ابن القيِّم: «إنَّ الذِّكر ينبِّه القلب من نومه، ويوقظه من سِنَتِه، والقلب إذا كان نائمًا فاتته الأرباح والمتاجر، وكان الغالب عليه الخسران، فإذا استيقظ وعَلِم ما فاته في نومته شدَّ المئْزر، وأحيا بقيَّة عمره، واستدرك ما فاته، ولا تحصل يقظة إلَّا بالذِّكر، فإنَّ الغفلة نوم ثقيل»، بل هي الموت المحقَّق كما قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ»[2]، فجعل الذَّاكر بمنزلة الحيِّ والغافل بمنزلة الميِّت، وفي لفظ مسلم: «مَثَلُ البَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللهُ فِيهِ وَالبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللهُ فِيهِ مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ»[3]، فجعل بيت الذَّاكر بمنزلة بيت الحيِّ، وبيت الغافل بمنزلة بيت الميِّت وهو القبر، قال ابن القيِّم بعد إيراده الحديث بلفظه: «فتضمَّن اللَّفظان أنَّ القلب الذَّاكر كالحيِّ في بيوت الأحياء، والغافل كالميِّت في بيوت الأموات، ولا ريب أنَّ أبدان الغافلين قبورٌ لقلوبهم، وقلوبهم كالأموات في القبور».

    فنسيان ذكر الله موت قلوبهم *** وأجسامهم قبل القبور قبور
    وأرواحهم في وحشة من جسومهم *** وليس لهم حتَّى النُّشور نشور

    والمرء - كما قيل - بأصغريه: لسانه وقلبه، فإذا غفل قلبه عن الله، وجفَّ لسانه عن ذكر مولاه؛ كان كالجثَّة الهامدة والجسد المشلول القاعد عن الحركة، لا ينفعه سعي ولا كسب، ولا يضرُّه قعود ولا سكون، ومن كان كذلك كان أبعد ما يكون عن الله، لا تنفعه المواعظ، ولا تزجره الحوادث، وإن دعا ربَّه لا يستجيب له، كما قال صلى الله عليه وسلم: «ادْعُوا اللهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاهٍ»[4].

    فالذِّكر وحده الَّذي يسيِّر العبد في كلِّ أحواله؛ بيته وسوقه، وصحَّته وسقمه، ومنشَطه ومكرهه، في خلوته وخلطته، فليس شيء من الأعمال يعمُّ الأوقات والأحوال مثله، وهو روح الأعمال الصَّالحة، فإذا خلا العمل عن الذِّكر كان كالجسد الَّذي لا روح فيه، كما أنَّ له تأثيرًا عجيبًا في انشراح الصَّدر ونعيم القلب، كما أنَّ للغفلة تأثيرًا عجيبًا في ضيقه وحبسه وعذابه.

    عن حميضة بنت ياسر، عن جدَّتها يُسَيْرَة ـ وكانت من المهاجرات ـ قالت: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُنَّ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّقْدِيسِ، وَاعْقِدْنَ بِالأَنَامِل؛ فَإِنَهُنَّ مَسْئُولَات مُسْتَنْطَقَات، وَلَا تَغْفَلْنَ فَتَنْسَينَ الرَّحْمَةَ»[5].

    قال القارئ: «المراد بنسيان الرَّحمة: نسيان أسبابها، أي لا تتركن الذِّكر، فإنكنَّ لو تركتنَّ الذِّكر لحرمتنَّ ثوابه، فكأنكنَّ تركتُنَّ الرَّحمة، وقد قال تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي ﴾ - أي بالطَّاعة - ﴿ أَذْكُرْكُمْ ﴾ أي: بالرَّحمة، والمعنى لا يكن منكنَّ الغفلة فيكون من الله ترك الرَّحمة، فعبَّر بالنِّسيان عن ترك الرَّحمة كما في قوله تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) ﴾ [طه]».

    ولقد درج سلفنا الصَّالح على اغتنام الأوقات والأعمار في كسب الحسنات، واقتناص الأجر والثَّواب من كبير الأعمال وصغيرها، وقليلها وكثيرها، وهذا باب قلَّما يوجد من يهتدي إليه من الخَلْق حتَّى من الذَّاكرين أنفسهم، فكما أنَّ للذُّنوب محقِّرات فإنَّ للأعمال الصَّالحة أيضًا محقِّرات يغفل عنها النَّاس، ولا يعيرونها اهتمامًا، ولا يقيمون لها وزنًا، وفيها من الأجر والثَّواب ما لا يوفَّق إليه إلَّا المرحوم، ولا يصرف عنه إلَّا المحروم، والنَّاس في هذا بين مستقلٍّ ومستكثر، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.

    وتأمَّل هذين النَّموذجين أمامك تدرك - أخي القارئ - ما كان عليه سلفنا الصَّالح من الفطنة والتَّرصُّد لحسنات الأعمال، وطردهم للغفلة، واهتمامهم بإصلاح الأحوال.

    روى مسلم في «صحيحه» عن أبي وائل قال: «غدونا على عبد الله ابن مسعود يومًا بعدما صلَّينا الغداة، فسلَّمنا بالباب، فأذن لنا، قال: فمكثنا بالباب هنية قال: فخرجتِ الجارية، فقالت: ألا تدخلون؟! فدخلنا، فإذا هو جالس فقال: ما منعكم أن تدخلوا وقد أذن لكم؟! فقلنا: لا إلَّا أنَّنا ظننَّا أنَّ بعض أهل البيت نائم، قال: ظننتم بآل ابن أمِّ عبد غفلة؟ قال: ثمَّ أقبل يسبِّح حتَّى ظنَّ أنَّ الشَّمس قد طلعت، قال: يا جارية! انظري هل طلعت؟ قال: فنظرت فإذا هي لم تطلع، فأقبل يسبِّح حتَّى إذا ظنَّ أنَّ الشَّمس قد طلعت، قال: يا جارية! انظري هل طلعت؟ فنظرت فإذا هي قد طلعت، فقال: الحمد لله الَّذي أقالنا يومنا هذا، فقال مهدي: وأحسبه قال: ولم يهلكنا بذنوبنا».

    وروى الإمام أحمد في كتاب «الزُّهد» عن عبد الله بن عبد الملك قال: «كنَّا مع أبينا في موكبه، فقال: سبِّحوا حتَّى تأتوا تلك الشَّجرة، فنسبِّح حتَّى نأتيها، فإذا رفعت لنا شجرة أخرى قال: كبِّروا حتَّى تأتوا تلك الشَّجرة، فكان يصنع ذلك بنا».

    فانظر - رعاك الله - إلى هذا الأنموذج العالي من التَّربية الصَّالحة والتَّوجيه الهادف الَّذي يعوِّد الطِّفل على استغلال الوقت والاستفادة منه وهو يلهو ويمرح، ويضحك ويمزح، يتبيَّن لك أنَّ القوم ما شابوا على المكارم والفضائل وماتوا عليها إلَّا بعد أن شبُّوا عليها ورضعوا منها وفطموا عليها.

    ثانيًا - تعاهد القرآن الكريم:
    وذلك بتلاوته والاستماع إليه، سماعًا يصحبه الفهم والتَّدبُّر، وينتج العبرة والتَّذكُّر، ذلك أنَّ قوَّة الإيمان وكمال اليقين واليقظة الدَّائمة والمراقبة المستمرَّة لا تحصل إلَّا بكثرة قراءة القرآن واستماعه مع التَّدبُّر بنيَّة الاهتداء به والعمل بأمره ونهيه.

    فما آمن مَن آمن من العرب إلَّا باستماعه وفهمه، ولا فُتِحت أقطار المعمورة واتَّسع عمران المسلمين وعظم سلطانهم إلَّا بتأثير هدايته.

    وما كان الجاحدون المعاندون من زعماء مكَّة يجاهدون النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ويصدُّونه عن تبليغ دعوة ربِّه إلَّا بمنعه عن إيصال صوت القرآن وهديه إلى أسماع وقلوب النَّاس، قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) ﴾ [فصلت].

    وما ضعف المسلمون وانحسر مدُّهم إلَّا لمَّا تركوا القيام بحقِّ القرآن، فأُهمِلت تلاوته، وهُجِرت أحكامه، وزُهِد في هدايته، وجعلوه للرُّقى والتَّعاويذ الَّتي تُتَّخذ للتَّبرُّك أو لشفاء أمراض الأبدان ليس إلَّا.

    ولو قرؤوه وسمعوه وتعاهدوه كما تعاهده أسلافهم لم تصبهم هذه الغفلة الَّتي أنستهم في عزِّهم، ولما حرموا تأثير القرآن وهدايته وهو بين أيديهم يتلى ويُسمع، فلا قلب يخشع ولا عين تدمع ولا عمل بأحكامه فيُرجى به أن يشفع.
    ومن العجائب والعجائب جمَّة *** قرب الحبيب وما إليه وصول
    كالعيس في البيداء يقتلها الظَّما *** والماء فوق ظهورها محمول

    إنَّ ران القلبِ لا ينمحي وإنَّ ضباب الغفلة لا ينجلي إلَّا إذا تلا العبدُ كلامَ ربِّ العالمين، واستمع إليه بقلب شاهد يقظان، وكأنَّه المخاطب وحده بهذا القرآن، قال ابن القيِّم :: «إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجعل قلبك عند تلاوته وسماعه، وألق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به مَن تكلَّم به سبحانه منه إليه، فإنَّه خطاب منه لك على لسان رسوله، قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) ﴾ [ق]…

    قال ابن قتيبة في «غريب القرآن» عند قوله تعالى في هذه الآية: ﴿ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾: «استمعَ كتابَ الله وهو شاهدُ القلب والفهم، ليس بغافل ولا ساه…

    فإذا حصل المؤثِّر وهو القرآن، والمحلُّ القابل وهو القلب الحيُّ، ووُجد الشَّرط وهو الإصغاء، وانتفى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب، وانصرافه عنه إلى شيء آخر؛ حصل الأثر وهو الانتفاع والتَّذكُّر»
    [6].

    ثالثًا - الإعراض عن مجالس أهل الغفلة:
    وذلك أنَّ الغافل كالأحمق إذا أراد أن ينفعك أضرَّ بك، فكيف إذا أراد أن يضرَّك، وقد قالوا قديمًا: «الصَّاحب رقعة في قميص الرَّجل، فلينظر أحدكم بم يرقع به ثوبه»، ولله درُّ من قال:
    والنَّاس مثل دراهم ميَّزتها **** فوجدت منها فضَّة وزيوفًا
    اصحب خيار النَّاس حيث لقيتهم *** خير الصَّحابة من يكون عفيفًا
    فعلى كلِّ ذي لبٍّ وفطنة أن يحرص على صحبة من ينفعه في دينه، ويوقظه من غفلته، ويأخذ بيده إلى مراشد الأمور، يذكِّره إذا نسي، ويردُّه إذا زلَّ، يعينه على الخير ويدلُّه عليه، ويحذِّره من الشرِّ ويمنعه منه، فالمرء على دين خليله كما قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «فَلْيَنْظُر أَحَدُكُم مَنْ يُخَالِل».

    فمجالسة الغُفَّل ومن لا ينهضك حاله ومقاله إلى الطَّاعة والخير إنساءٌ من الشَّيطان وقصدٌ منه على إغفال العبد ليقع في شراك الغفلة وأسْر الهوى، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) ﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) ﴾ [الكهف].

    فالغافل عن ذكر الله، المتَّبع لهواه، ليس أهلًا لأن يُطاع، ولا أن يكون إمامًا ولا متبوعًا ولا صاحبًا؛ لفرط أمره، وضلال سعيه، قال ابن القيِّم في «الوابل الصيِّب» (ص 64): «فإذا أراد العبد أن يقتدي برجل؛ فلينظر هل هو من أهل الذِّكر أو من الغافلين؟ وهل الحاكم عليه الهوى أو الوحي؟ فإذا كان الحاكم عليه الهوى وهو من أهل الغفلة كان أمره فرطًا - إلى أن قال -: والمقصود أنَّ الله سبحانه نهى عن طاعة من جمع هذه الصِّفات، فينبغي للرَّجل أن ينظر في شيخه وقدوته ومتبوعه، فإن وجده كذلك فليبعد عنه، وإن وجده ممَّن غلب عليه ذكر الله واتِّباع السُّنَّة، وأمره غير مفروط عليه، بل هو حازم في أمره فليستمسك بغرزه، وذلك فوز عظيم».

    ***

    فهذه أدوية ثلاث، ينبني عليها الاستشفاء من علَّة الغفلة والهيمان، وتقوم عليها عافية الأرواح والأبدان.

    ومن نظر في أحوال أمَّتنا يجد أنَّ الإخفاء والفشل إنَّما نالها من هذه الأبواب:

    باب الذِّكر الَّذي إذا أوصده العبد فقد أوصد منافذ النَّجاة على نفسه
    ، و«أفضل الذِّكر وأنفعه ما وطأ فيه القلب اللِّسان، وكان من الأذكار النَّبويَّة، وشهد الذَّاكر معانيه ومقاصده».

    وباب القرآن الَّذي إذا لم يلجْه وأخطأه فقد ضلَّ عن السَّبيل وتاه في الظُّلمات، وطريق حصول هداية القرآن أن «يفرغ سمعه للكلام، وقلبه لتأمُّله والتَّفكُّر فيه وتعقُّل معانيه».

    وباب مجالسة الأخيار وشدُّ العضد بهم الَّذي إن زهد العبد فيه تخطَّفه قرناء السُّوء ورموْا به في مهاوي الرَّذيلة، و«خير الأصحاب من إذا خدمته صانك، وإن صاحبته زانك، وإذا مددت يدك للخير مدَّها، وإن رأى منك حسنة عدَّها، وإن رأى منك سيِّئة سدَّها، وإن حاولت أمرًا أعانك ونصرك، وإن تنازعتما في شيء آثرك».

    فساق دعوة الإسلام اليوم لا يستوي، وجذر شجرتها لا يرتوي حتَّى يسكب دعاتها وأنصارها ماء الحياة من مُقل العيون الدَّامعة، الممتدِّ من معين القلوب الخاشعة، إذ التَّوفيق في الأعمال يُسقى بدموع الخشية والذِّكر والإنابة، ولا تشرق أنوار هذه الدَّعوة مجدَّدًا فتبدِّد ظلمات الأهواء من القلوب، وتزيل رواسب الغفلة عن النُّفوس، ما لم تلهج ألسنتنا بالذِّكر وقراءة القرآن، تجدِّد سمت الأوائل، وتردِّد نشيد الفضائل: «اجلس بنا نؤمن ساعة»، فهذا الَّذي يمكث في الأرض، وغيره يذهب جفاء، «لا تنقش على الدِّرهم الزَّائف اسم الملك، فإنَّه لا يدخل الخزانة إلَّا بعد النَّقد».

    وصلَّى الله على محمَّد وآله وسلَّم تسليمًا. اهـ.

    -------------------------------------------
    [1] نُشر في مجلَّة «منابر الهدى»: العدد (4)/ربيع الأوَّل ـ ربيع الثَّاني 1422هـ.
    [2] البخاري (6407).
    [3] مسلم (779) .
    [4] التِّرمذي (3479) وحسَّنه الألباني.
    [5] التِّرمذي (3583) وأبو داود (1501).
    [6] «الفوائد» (4 ـ 5).


    *****
    الله الموفق
    والحمد ربّ العلمين
    صعد ابو الدرداء –رضي الله عنه- درج مسجد دمشق فقال:
    " يا أهل دمشق ألا تسمعون من أخ لكم ناصح إن من كان قبلكم كانوا يجمعون كثيرا ويبنون شديدا ويأملون بعيدا فأصبح جمعهم بورا وبنيانهم قبورا وأملهم غرورا .
    وكان يقول ثلاث اضحكتنى حتى أبكتنى :
    طالب دنيا والموت يطلبه وضاحك ملء فيه ولا يدرى أرضى ربه ام اسخطه وغافل ليس بمغفول عنه "


    وكان الإمام أحمد -رحمه الله- يقول:
    " يا دار تخربين ويموت سكانك " ،
    وقال: " من لم يردعه ذكر الموت والقبور والآخرة فلو تناطحت الجبال بين يديه لم يرتدع "

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
About us