التداعيات التي خلّفها البث التلفزيوني لمباراة بوركينا فاسو - الجزائر شغلت الرأي العام لبضعة أيام وغطت على المباراة في حد ذاتها ونتيجتها وأداء منتخبنا الرجولي وأسلوب منتخب بوركينا المتميز وشغلته عن همومه ومتاعبه والتحديات التي تنتظره في عملية مقصودة من أطراف تدير كل خيوط اللعبة بتواطؤ من الانتهازيين لتخفي فشلها وإخفاقها في التسيير والتدبير بالإساءة للرجال والمؤسسات ليتحول الفاشل إلى ناجح ويخَوَّن الصادق ويصبح الضعيف قويا والمنافق مخلصا والفاسد مصلحا، وتنقلب المفاهيم والمعايير ونصل إلى حد تشجيع الناس على السرقة والاعتداء للحصول على حقوقنا عندما "نستنفد كل الطرق الشرعية والقانونية" مثلما قال المسؤول الأول عن التلفزيون!!

لم أتفاجأ كغيري من المتتبعين بالكيفية التي استغلت بها قضية بث مباراة بوركينا فاسو - الجزائر، وكيف تجاوزنا الحديث عن موضوع حقوق البث التلفزيوني، وعن أصل المشكلة لنغرق في التداعيات بتفاصيلها وجزئياتها بعيدا عن الحقيقة التي لا نتجرأ على قولها للناس ولا على تحمل مسؤولياتنا أمام إخفاق جديد للتلفزيون في اقتناء حقوق بث مباراة المنتخب مثلما فشل كل مرة لأسباب مختلفة، وفشل في أداء واجباته ومهامه في الإعلام والتواصل والتثقيف، وفي الحفاظ على أبنائه ومكتسباته التي دفع من أجلها الغالي والنفيس منذ الاستقلال عبر كل التحديات والمحن التي ألمت به.

صحيح أن لا أحد يقبل الابتزاز والمساومة - إن كان هناك ابتزاز - ولا أحد يقبل على الجزائر إملاءات وشروط خارج نطاق الأخلاق والمبادئ والقواعد مهما كانت وفي أي مجال كانت، ولكننا نملك الشجاعة الأخلاقية والأدبية والمهنية لنقول بأننا أخطأنا ولا نقبل على أنفسنا أن نكون خارجين عن القانون، ولا نقبل على الجزائر أن تهان من قبل مسؤوليها بحجة المصلحة الوطنية ومصلحة المشاهد، لأن السيادة والمصلحة الوطنية كل لا يتجزأ، ويجب أن نسعى إليها بالعدل والقانون والشرف كل وقت وفي كل المجالات وليس في المناسبات قصد التلاعب بمشاعر الناس واستغلال تعلقهم بوطنهم ومنتخبهم للتهكم على الغير والتهرب من المسؤولية ..

سيادة الجزائر أكبر من أن تختزل في حقها في بث مباراة منتخبها، ولا يمكن لمن لا شرف ولا أخلاق ولا سيادة له أن يدافع عنها، بل إننا نحافظ على سيادتنا بالإخلاص مع الذات وبأدائنا لواجبنا المهني على ما يرام وتحمل مسؤولية الإخفاق قبل الافتخار والاعتزاز بالتعدي على حقوق الغير، كما أن سيادة الجزائر نحافظ عليها عندما نتجنب الوقوع في فخ كهذا باتخاذ الإجراءات اللازمة في الوقت المناسب للحصول على ما يلزم للمشاهد الجزائري وليس انتظار آخر لحظة للتوسل والتسول عند الغير..

القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية الكبرى لم تعد تستفزنا وتثير فينا الغيرة كما يستفزنا الحرمان من مشاهدة مباراة المنتخب، وبعض المسؤولين الفاشلين يتحينون فرصا كهذه للتهكم والإساءة إلى الغير، ويستغل بعض الإعلاميين المتسلقين المناسبة للتموقع والظهور بمظهر الأبطال والوطنيين والمخلصين ويسيئون إلى غيرهم عن قصد ودون وجه حق، وتستغل أطراف أخرى الظرف لاحتكار الوطنية وحب الوطن وتخوين الغير دون أن يقدموا شيئا لهذا الوطن في الظروف الصعبة التي مرت بها الجزائر. .

أما الجماهير العريضة فلا لوم عليها عندما تغضب وتنتقد، لأنها الطرف الصادق في المعادلة بعواطفها ومشاعرها ونتقبل أحكامها وآرائها بصدر رحب، ولكن الأيام ستكشف الصادق من المفتري، والتاريخ سيسجل بأننا أخفقا مرة أخرى وكذبنا على الجماهير وأردنا استغلال الظرف لأغراض لا علاقة لها بالمنتخب ولا بالبث التلفزيوني ولا بالسيادة الوطنية، لأن الوطن أكبر منا جميعا وأكبر من أن يختزل في حق بث مباراة منتخب كرة القدم، ومن يريد أن يتحدث عن وطن من حجم الجزائر عليه أن يتوضأ قبل ذلك!!