انقضى شهر رمضان، وحلّ علينا عيد الفطر ثم يحين موعد الدخول الاجتماعي والمدرسي، وبعده عيد الأضحى ومناسبات أخرى وطنية ودينية، ولكن أيام الجزائر والجزائريين تتوالى وتتشابه بأعبائها وهمومها ومتاعبها، ويبقى الشعب واقفا صابرا وصامدا يأمل في غد أفضل، ويترقب التغيير والنفس الجديد في ظل غياب الرئيس، وانعدام الرؤية الواضحة وازدياد فضائح الرشوة والنهب والفساد، وتغييب دور المؤسسات وتأجيل مناقشة مشروع تعديل الدستور ومشاريع قوانين وقضايا تهم مستقبل الوطن، وفي ظل الفوضى الاعلامية التي تسببت فيها بعض القنوات الجزائرية الخاصة التي تسيء إلى المهنة والدولة ومؤسساتها ورجالها، وتفسد الذوق العام والأخلاق والقيم وتستغل الظرف لتكريس الرداءة..

الوضع السياسي مخيف يعيد إلى أذهاننا سيناريوهات سنوات خلت، وقد يعيدنا إلى هاجس المرحلة الانتقالية إذا لم يتحل الرئيس بالشجاعة الكافية، ويتقي الله في شعبه ويتحمّل مسؤولياته التاريخية بالخروج إلينا ليكشف عن نواياه وظروفه الصحية، ومدى قدرته على الاستمرار من عدمه، ويحرر البلد من هذا الخوف والجمود والتردد الذي يطبع الحياة السياسية، وبعض مؤسسات الدولة والأحزاب وجمعيات المجتمع المدني التي تبقى ضعيفة خائفة مترددة تنتظر الاشارة لكي تقوم بواجباتها، وتنتظر رصد هلال الرئاسيات عوض أن تبادر لتصنع الحدث وتساهم في تجاوز المرحلة العصيبة!!

غياب الرئيس واستغلال الظرف من قبل المحيطين به لمصالحهم الضيقة يزيد الوضع تعقيدا، وينعكس على الحياة العامة للجزائريين ومعنوياتهم التي صارت في الحضيض تعيسة كئيبة منذ مدة ليست بالقصيرة، وكأن الجزائر لم تلد رجالا ولم تستثمر في أبنائها الذين بإمكانهم قيادة أمم ودول وشعوب وليس شعبا وبلدا من حجم الجزائر، يملك من الخيرات والمؤهلات ما يجعله في مصاف خيرة البلدان دون منازع، ولكن المغامرين والفاشلين لا يدركون حجم الضرر الذي يسببونه بطغيانهم وجهلهم وعبثهم!!

الأوضاع الاجتماعية بدورها تتردى وتسوء باستمرار في ظل الفراغ والجمود، وتنهار الطبقة الوسطى ويزداد الغني غنا والفقير فقرا، وتتراجع المداخيل وتزداد النفقات وتهريب الأموال إلى الخارج، باعتراف الوزير الأول، الذي لم تعد نواياه الصادقة وجهوده وبعض الرجال والمؤسسات كافية لتطمين الناس، والحفاظ على الأمل في النفوس، كما أن فساد الأخلاق عمّ الكثير من مجالات الحياة في سيناريو يراد من خلاله تعميم الفساد وتوريط الأفراد والمؤسسات لإخفاء جرائم سياسية واقتصادية وثقافية وفكرية ترتكب في حق الوطن!!

الفضاء الاعلامي الجزائري بقنواته التلفزيونية العمومية، وبعض القنوات الخاصة وجدت في الوضع فرصة لتعميق الجراح والفوارق والحقد والشك والرداءة، وراحت تستغل غياب الإطار القانوني وفوضى سوق الإشهار، وغياب سلطة الضبط من أجل المزيد من الكسب والنهب على حساب المبادئ والقيم وأخلاقيات المهنة، في سيناريو آخر ينذر بفشل تجربة فتية نحن بحاجة إليها..



المتاعب النفسية والمادية كانت كثيرة، والمعنويات قبل العيد كانت في الحضيض وبعد العيد ستزداد سوءا عندما تشتد حرارة الصيف، ويبقي الحال على ما هو عليه: بلد دون رئيس ومؤسسات قوية ودون آفاق مستقبلية واضحة المعالم، ودون حراك سياسي وجمعوي يناقش الأفكار والمشاريع بعيدا عن الحقد والكراهية وتصفية الحسابات، وتزداد الأمور تعقيدا إذا استمر تعطيل مشاريع القوانين وعجلة التنمية، وتحطيم الرجال والمؤسسات والتصرف في شؤون الوطن وكأنها ملكية خاصة لجماعة جعلت الوطن رهينة بين أيديها!!