بعد خمسين عاما من الاستقلال ومن التجارب والانجازات والإخفاقات، وبعد أن هرمنا ونحن ننتظر الجديد وموعد التغيير والتجديد، ورغم وعينا بأحوالنا التعيسة وحاجتنا إلى نفس جديد على كل المستويات، بدءًا من الرئيس إلى الوزراء والمديرين والسفراء إلى رؤساء الأحزاب والجمعيات والنوادي وكل المؤسسات..إلا أننا لازلنا ندور في حلقة مفرغة وتفاهات وجزئيات ونقاشات عقيمة، ولم نقدر على الانطلاق مجددا نحو بناء المجتمع الذي نحلم به ونتجاوز كل الاختلافات السياسية والتاريخية التي تفرقنا، ومعالجة النفوس المريضة بالحقد والكراهية والجهوية والإقصاء والراغبة في الانتقام من أجيال لا ذنب لها سوى أنها لم تنخرط في الصراعات وتصفية الحسابات..

ضيّعنا الرجال والوقت والجهد والمال في التفاهات فلم نتمكن من تجاوز مشاكل الهوية والثقافة ومشروع المجتمع الملائم، ولم نتمكن من تجاوز مشاكل شعبنا في السكن والعمل والصحة والتربية رغم قدراتنا وإمكانياتنا البشرية والطبيعية والمادية، ولا ندري أين تتوجه الأمور في ظل الغموض السائد! ومتى نتخلص من الجمود والتردد ونتفرغ للبناء وتنمية قدرات شبابنا وبلدنا والاستثمار في ثرواتنا المختلفة؟

لا نعرف مثلا ماذا سيفعل الرئيس بوتفليقة في ظل حالته الصحية؟ وهل سيستمر في موقعه "حاضرا غائبا" وهل بإمكانه إتمام عهدته الثالثة أم ينظم انتخابات رئاسية مسبقة؟ ولا نعرف من يريد الترشح لخلافته؟ ولماذا تتحدث الأحزاب عن رجل الإجماع عوض أن تخرج لنا رجالها لدخول معترك الرئاسيات المقبلة وتسعى لتغيير الخريطة وتفك العقدة التي تلازمنا من زمان، وتساهم في صناعة مصير الجزائر بأفكار وممارسات جديدة دون انتظار الوحي!!

لا نعرف لماذا يستمر الوزراء عندنا في مناصبهم لأكثر من عشر سنوات حتى يبلغوا سن السبعين في قطاعات تعاني التراجع والتخلف رغم ما تزخر به من كفاءات متمكنة وشابة! ولا نعرف لماذا لا نتجرأ على تغييرهم إذا اقتضت الضرورة، ولا يتجرؤون على الاستقالة من مناصبهم ومواقعهم عندما يفشلون! ولا نعرف لماذا يستمر اختيار الوزراء والمديرون والسفراء على أساس الجهوية والولاء وليس الكفاءات والقدرات؟ ومتى نتخلص من القيود والعقد التاريخية التي تلازمنا كل مرة عندما نكون في حاجة إلى نفس جديد حتى انتشر الفساد والظلم والتخلف وبدأت الأجيال الصاعدة تفقد الأمل في غد أفضل..

لم ننطلق مثل غيرنا أيضا لأن الكثير من الأحزاب والجمعيات والنوادي لم تتغير ممارساتها ولا تزال تنتج الرداءة بدورها وتمارس التطبيل والتهليل ولا تملك البديل ولا تقدر على صناعة الرأي والتأثير في الأحداث حتى فقدت مصداقيتها تجاه مناضليها وعامة الناس وصارت عبئا على المجتمع.



بعد خمسين عاما من الاستقلال لا نعرف شيئا عن مشروع المجتمع الذي نريده لأبنائنا وبلدنا، ولا ندري لماذا صارت التعددية الإعلامية شكلية وصورية مثل التعددية الحزبية، ولا ندري لماذا لم ننطلق بعد رغم الإمكانيات وتضحيات وجهود الرجال وصبر الشعب وثباته وتعايشه مع كل الهموم والمتاعب ليبقى السؤال مطروحا: متى نبدأ وننطلق؟ في بناء دولة القانون والمؤسسات التي نعمل فيها مع الرجال وليس من أجل الرجال، ويكون فيها الولاء للوطن وليس للرجال..
كاتب حفيظ ادراجيي